dimanche 25 octobre 2026

Aicha Kandicha

HISTORIA DE LARACHE EN FOTOS · PATRIMOINE / التراث / PATRIMONIO
العربية

 

عائشة قنديشة وعين عراب بالعرائش: حين تلتقي الذاكرة الشعبية بالتاريخ والأسطورة

دراسة تراثية مصوّرة لمدونة «تاريخ العرائش بالصور» — Historia de Larache en fotos

هل كانت عائشة قنديشة امرأة حقيقية قاومت الغزاة، أم شخصية أسطورية نسج حولها الخيال الشعبي المغربي حكايات الرعب والغموض؟ وما علاقة هذه الشخصية بعين عراب بمدينة العرائش، التي خلدتها بطاقة بريدية إسبانية سنة 1911؟ وهل كان لموقع هذه العين خارج أسوار المدينة التاريخية دور في ارتباطها بعالم الأساطير والمعتقدات الشعبية؟

تحتفظ الذاكرة الشعبية المغربية بشخصيات استثنائية يصعب الفصل فيها بين الواقع والخيال، ولعل أشهرها شخصية «عائشة قنديشة»، أو «عيشة قنديشة» كما يسميها المغاربة. فهي المرأة الجميلة الغامضة، والجنية المرعبة، والمقاومة المنتقمة في بعض الروايات، التي ظلت قصصها تتناقل عبر الأجيال، حتى أصبحت جزءاً من التراث الشفهي المغربي.

لكن مدينة العرائش تحتفظ بشاهد بصري بالغ الأهمية على ارتباط هذه الأسطورة بفضائها المحلي، يتمثل في بطاقة بريدية إسبانية قديمة تحمل تاريخ سنة 1911، وتشير صراحة إلى مكان يدعى «عين عراب»، باعتباره العين التي تعيش فيها عائشة قنديشة الشهيرة.

هذه الصورة لا تثبت الوجود الحقيقي للشخصية الأسطورية، لكنها تقدم دليلاً وثائقياً على أن اسمها كان مرتبطاً بعين عراب في الذاكرة المحلية أو في التمثلات التي سجلها ناشرو البطاقات البريدية في مطلع القرن العشرين.

وتزداد أهمية هذه الوثيقة عند مقارنتها بخريطة تاريخية قديمة لمدينة العرائش، تظهر بوضوح المجال العمراني المحاط بالأسوار والتحصينات الدفاعية، بينما تشير المنطقة المحددة بالإطار الأحمر إلى الموقع المرجح لعين عراب خارج هذه الأسوار.

ومن خلال الجمع بين البطاقة البريدية والخريطة التاريخية، يمكننا الانتقال من دراسة الأسطورة وحدها إلى محاولة فهم المجال الجغرافي الذي ارتبطت به، والعلاقة بين عين عراب والمدينة التاريخية ومحيطها الطبيعي.

فهرس الدراسة
  1. أولاً: عين عراب في بطاقة بريدية من سنة 1911
  2. ثانياً: إعادة الحياة إلى المشهد التاريخي
  3. ثالثاً: الخريطة التاريخية للعرائش وموقع عين عراب خارج الأسوار
  4. رابعاً: عائشة قنديشة في المخيال الشعبي المغربي
  5. خامساً: لماذا ارتبطت عائشة قنديشة بالعيون والمياه؟
  6. سادساً: صورة فنية حديثة لعائشة قنديشة
  7. سابعاً: بين عائشة المقاومة وعائشة الجنية
  8. ثامناً: عين عراب والذاكرة المنسية للعرائش
  9. تاسعاً: ماذا تثبت الوثائق، وماذا تتركه للأسطورة؟
  10. خاتمة: عين عراب بين التاريخ والأسطورة
  11. المصادر والمراجع

أولاً: عين عراب في بطاقة بريدية من سنة 1911

بطاقة بريدية تاريخية لعين عراب بالعرائش سنة 1911 وعائشة قنديشة
البطاقة البريدية الأصلية — عين عراب والعرائش، سلسلة 1911

الوثيقة الأولى: البطاقة البريدية التاريخية الأصلية لعين عراب بالعرائش.

تحمل البطاقة البريدية العبارات الإسبانية التالية:

Campaña de Marruecos 1911 — LARACHE

Ain Arab fuente donde vive la célebre Aicha Kandicha

وترجمتها إلى العربية:

«حملة المغرب 1911 — العرائش. عين عراب، العين التي تعيش فيها عائشة قنديشة الشهيرة».

وتكشف الصورة عن مشهد خارج أسوار المدينة، حيث تمتد مساحة من الأراضي المزروعة والمسالك الترابية بمحاذاة سور طويل، تظهر خلفه بعض المباني والأشجار. وفي الخلفية بناء يتميز بمدخل مقوس، بينما يمتد المشهد نحو فضاء أكثر انفتاحاً.

وفي مقدمة الصورة يظهر طفلان يرتديان لباساً تقليدياً، يقف أحدهما قرب موضع يبدو مرتبطاً بجلب الماء، إلى جانب إناء فخاري كبير وبعض الحجارة.

تكمن القيمة التاريخية لهذه البطاقة في أنها تجمع بين عناصر ثلاثة: مشهد عمراني وطبيعي من العرائش، وموضع مائي معروف باسم عين عراب، وإشارة مكتوبة صريحة إلى أسطورة عائشة قنديشة.

ويستوقفنا في هذه الصورة موقع العين بالنسبة إلى السور الظاهر في الخلفية، إذ يبدو المشهد ملتقطاً من خارج المجال العمراني المسور، في منطقة مفتوحة كانت تضم أراضي زراعية ومسالك ترابية.

ويشكل هذا التفصيل نقطة أساسية في دراستنا، لأنه ينسجم مع القراءة المقترحة للخريطة التاريخية للعرائش، التي سنعود إليها لاحقاً، والتي تُظهر أن المنطقة المرجحة لعين عراب تقع خارج التحصينات المحيطة بالمدينة.

وتجدر الإشارة إلى أن عبارة «حملة المغرب 1911» الواردة على البطاقة لا تكفي وحدها لتحديد يوم التقاط الصورة أو حتى سنة تصويرها بصورة قطعية؛ فقد تكون تاريخ السلسلة أو المناسبة التي صدرت في سياقها.

أما الأهمية الأبرز للبطاقة فتتمثل في كونها توثق تداول الربط بين عين عراب وعائشة قنديشة في منشور مصور من أوائل القرن العشرين.

ثانياً: إعادة الحياة إلى المشهد التاريخي

ترميم وتلوين رقمي لصورة عين عراب قرب أسوار العرائش
نسخة ملونة رقمياً من الوثيقة الفوتوغرافية التاريخية؛ الألوان تفسيرية

الوثيقة الثانية: النسخة الملونة والمرممة رقمياً من البطاقة البريدية.

تعيد النسخة الملونة إظهار بعض التفاصيل التي يصعب تمييزها في الصورة الأصلية، ومنها تضاريس الأرض، وألوان النباتات، وملامح السور، والمسالك الترابية، واللباس التقليدي للطفلين.

وتسمح هذه المعالجة بتصور أوضح للمشهد القديم، خصوصاً العلاقة البصرية بين العين والمجال الزراعي والسور المحيط بالمدينة.

كما تبرز الصورة بشكل أوضح الطابع المفتوح للمنطقة المحيطة بالعين، حيث تظهر الأراضي الممتدة خارج التحصينات العمرانية، في مقابل المباني والمنشآت الموجودة خلف السور.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية إضافية عند دراسة الخريطة التاريخية، إذ تساعدنا على فهم العلاقة المكانية بين عين عراب والمدينة المسورة.

غير أن هذه الألوان ليست تسجيلاً فوتوغرافياً أصلياً من سنة 1911، وإنما تصور فني حديث أضيف بواسطة تقنيات المعالجة الرقمية. ولذلك تبقى الصورة بالأبيض والأسود المرجع الوثائقي الأساسي، بينما تؤدي الصورة الملونة وظيفة توضيحية وجمالية.

إن المقارنة بين الصورتين تمنح القارئ فرصة لتأمل أحد مشاهد العرائش القديمة، وتطرح في الوقت نفسه سؤالاً يتعلق بما تغير في هذا الفضاء خلال أكثر من قرن.

ثالثاً: الخريطة التاريخية للعرائش وموقع عين عراب خارج الأسوار

خريطة تحصينات العرائش القديمة مع تحديد موقع عين عراب خارج الأسوار بالإطار الأحمر
الخريطة التاريخية مع الإطار الأحمر الذي يشير إلى منطقة عين عراب، خارج الأسوار

الوثيقة الثالثة: خريطة تاريخية قديمة للعرائش بعنوان «Plan de la Ville et Forteresse de Larrache».

تمثل الخريطة التاريخية القديمة للعرائش وثيقة مهمة لفهم طبيعة المجال العمراني والتحصينات الدفاعية للمدينة خلال العصر الحديث.

وتحمل هذه الخريطة عنواناً باللغة الفرنسية:

Plan de la Ville et Forteresse de Larrache

أي «مخطط مدينة العرائش وقلعتها».

وتظهر الخريطة مدينة العرائش بموقعها الاستراتيجي عند مصب نهر اللوكوس، كما تبرز الأسوار والمنشآت الدفاعية التي كانت تحيط بها، فضلاً عن العلاقة بين المدينة والمجال النهري والأراضي الممتدة خارج التحصينات.

وقد ارتبطت العرائش منذ قرون بموقعها البحري والعسكري المتميز، الأمر الذي جعل تحصيناتها وأسوارها عنصراً أساسياً من عناصر تنظيمها العمراني والدفاعي.

المدينة المحاطة بالأسوار

تكشف الخريطة عن وجود نطاق عمراني محصن، تحيط به أسوار ومنشآت دفاعية متعددة، وتشكل حدوداً واضحة بين المدينة الداخلية والمجال الخارجي المحيط بها.

ويظهر أن التحصينات لم تكن مجرد جدران بسيطة، وإنما كانت جزءاً من نظام دفاعي يضم زوايا بارزة وحصوناً ومنشآت مخصصة لحماية المدينة ومراقبة مداخلها.

وخارج هذا النطاق المحصن، تمتد أراضٍ مفتوحة وتضاريس طبيعية ومسالك تربط المدينة بمحيطها.

وتساعدنا هذه الخريطة على التمييز بين العرائش بوصفها مدينة مسورة، وبين المجال الجغرافي الأوسع الذي كان يحيط بها ويشكل امتداداً لحياتها الاقتصادية والاجتماعية.

أين تقع عين عراب بالنسبة إلى أسوار المدينة؟

من خلال دراسة الخريطة، وبالاعتماد على المنطقة التي حُددت بإطار أحمر، يمكن ترجيح أن عين عراب كانت تقع خارج المجال العمراني المحاط بأسوار العرائش التاريخية.

فالمنطقة المشار إليها لا توجد داخل التحصينات الظاهرة على الخريطة، وإنما تقع في المجال الخارجي المجاور لها، حيث تمتد الأراضي غير المبنية والتضاريس المحيطة بالمدينة.

وتسمح هذه القراءة باقتراح موقع تقريبي لعين عراب، باعتبارها أحد المواضع الموجودة خارج النطاق المسور، وليس داخل النسيج العمراني الذي كانت تحميه الأسوار.

وما يعزز هذه الفرضية هو المشهد الظاهر في البطاقة البريدية لسنة 1911، حيث نشاهد العين في فضاء مفتوح بالقرب من سور طويل، مع وجود أراضٍ زراعية ومسالك ترابية في محيطها.

وهكذا، فإن المقارنة بين الخريطة القديمة والصورة التاريخية تسمح بترجيح أن عين عراب كانت تقع في المجال الخارجي للعرائش، بمحاذاة الأسوار أو في محيطها القريب.

غير أن هذا التحديد يظل تقريبياً، لأن الإطار الأحمر الذي يحدد المنطقة أُضيف لأغراض الدراسة والتفسير، ولا يمثل إشارة أصلية على الخريطة التاريخية.

كما أن إثبات الموقع الدقيق للعين يحتاج إلى دراسة طبوغرافية أكثر تفصيلاً، بالاعتماد على الخرائط القديمة والحديثة والشهادات المحلية.

أهمية الموقع الخارجي لعين عراب

إن وجود عين عراب خارج أسوار المدينة، إذا تأكد بصورة نهائية، يمثل معطى مهماً لفهم طبيعة هذا المكان ودوره في حياة سكان العرائش.

فالمجالات الواقعة خارج الأسوار كانت تضم، في كثير من المدن التاريخية، الأراضي الزراعية والمسالك المؤدية إلى المناطق المجاورة، فضلاً عن مصادر المياه التي يمكن أن يستفيد منها السكان.

ومن الممكن أن عين عراب كانت تشكل أحد مواضع التزود بالماء في هذا المجال الخارجي، وهو ما توحي به البطاقة البريدية التي تظهر فيها شخصيتان قرب إناء فخاري وموضع العين.

كما أن وجودها خارج التحصينات يجعلها مختلفة عن العيون أو الآبار الموجودة داخل الأحياء السكنية، لأنها كانت تنتمي إلى فضاء طبيعي أقل ارتباطاً بالعمران المكتظ.

ولعل هذه الخصائص المكانية تساعد على فهم العلاقة التي نشأت بين عين عراب وحكاية عائشة قنديشة، خاصة أن المعتقدات الشعبية كثيراً ما ربطت الكائنات الغامضة بالأماكن المنعزلة والعيون والمسالك الواقعة خارج التجمعات السكنية.

ولا يعني ذلك أن الموقع الخارجي للعين هو السبب المؤكد لنشوء الأسطورة، وإنما يمثل فرضية تفسيرية تستحق البحث في ضوء التراث الشفهي المحلي.

وبذلك تقدم لنا الخريطة التاريخية عنصراً جديداً في دراسة عين عراب، لأنها لا تكتفي بإظهار التحصينات القديمة للعرائش، بل تساعد أيضاً على وضع المكان المرتبط بالأسطورة ضمن مجاله الجغرافي والعمراني.

ملاحظة توثيقية: تُنسب الخريطة في المعلومات المصاحبة لها إلى القرن السادس عشر، غير أن هذا التأريخ يحتاج إلى التحقق من النسخة الأصلية ومصدرها. وتوجد خرائط تحمل عنواناً مماثلاً تعود إلى فترات لاحقة، من بينها أواخر القرن السابع عشر. ولذلك يُستحسن عدم الجزم بتاريخ رسم هذه النسخة قبل استكمال التحقيق الكارتوغرافي.

رابعاً: عائشة قنديشة في المخيال الشعبي المغربي

تحتل عائشة قنديشة مكانة خاصة في عالم الحكايات الشعبية المغربية، حيث تظهر في روايات متعددة يصعب ردّها إلى أصل تاريخي واحد.

ففي بعض المناطق توصف بأنها امرأة فاتنة، ذات شعر طويل وجمال غير مألوف، تظهر ليلاً بالقرب من الأنهار والعيون والأماكن المهجورة. وتروي حكايات أخرى أنها تخفي تحت ثيابها أقداماً تشبه أقدام الماعز أو غيرها من الحيوانات، وأنها تستدرج الرجال قبل أن تكشف عن طبيعتها المخيفة.

وفي روايات مختلفة، لا تكون عائشة قنديشة مجرد كائن مرعب، بل امرأة عاشت مأساة إنسانية تحولت بعدها إلى شخصية منتقمة، فأصبح اسمها مرتبطاً بالخوف والمقاومة والانتقام.

وهذه الازدواجية بين المرأة والجنية، وبين الضحية والمنتقمة، هي ما جعل الشخصية قادرة على الاستمرار في المخيال الشعبي رغم تغير الأزمنة.

عائشة قنديشة والمقاومة ضد الغزاة

تربط إحدى الروايات الشائعة أصل الحكاية بفترة الوجود البرتغالي في بعض المدن الساحلية المغربية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

وبحسب هذه الرواية، كانت عائشة امرأة شديدة الجمال، تعرضت أسرتها لمأساة على أيدي الغزاة، فقررت الانتقام منهم. ويُحكى أنها كانت تستدرج الجنود بجمالها ثم توقع بهم، حتى أصبح اسمها مصدر خوف في صفوفهم.

ومع مرور الزمن، انتقلت الحكاية من عالم المقاومة البشرية إلى عالم الخوارق، فتحولت المرأة المنتقمة إلى كائن أسطوري يمتلك قدرات فوق طبيعية.

غير أن هذه الرواية لا تستند، في حدود المصادر التي أمكن التحقق منها، إلى وثائق تاريخية كافية لإثبات وجود امرأة بعينها تحمل اسم عائشة قنديشة، أو لإسناد الوقائع المذكورة إليها.

وقد أشارت الباحثة أوزير غلاسيي إلى انتشار الروايتين، التاريخية والأسطورية، مع التنبيه إلى غياب المصادر التاريخية الموثوقة التي تثبت قصة المرأة المقاومة.

كذلك تختلف الروايات بشأن أصل الشخصية ومكان ظهورها، إذ تربطها بعض الحكايات بآسفي أو دكالة أو مناطق أخرى من الساحل الأطلسي، بينما تنسب إليها روايات أخرى أصولاً مختلفة. ومن هنا، لا يصح الجزم بأنها ولدت بمدينة العرائش لمجرد وجود تقليد شعبي محلي يربطها بعين عراب.

خامساً: لماذا ارتبطت عائشة قنديشة بالعيون والمياه؟

لم يكن ارتباط عائشة قنديشة بعين عراب أمراً معزولاً عن بقية المعتقدات الشعبية المغربية.

فالماء، في كثير من الحكايات، ليس مجرد عنصر طبيعي، بل فضاء تلتقي عنده الحياة اليومية بالمجهول. وقد ارتبطت بعض العيون والأنهار والآبار في الذاكرة الشفوية بحكايات عن كائنات غير مرئية، أو أرواح تسكن الأماكن البعيدة عن العمران.

وفي روايات عائشة قنديشة تحديداً، تتكرر صورة المرأة التي تظهر بالقرب من المياه الجارية أو الأشجار أو الأماكن المنعزلة. وتظهر هذه العلاقة أيضاً في بعض الكتابات الأدبية التي تناولت الشخصية، ومنها نصوص الكاتب بول بولز.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم العبارة الواردة على البطاقة البريدية للعرائش سنة 1911؛ إذ لم يكتف ناشرها بتسمية العين، وإنما ألحق بها حكاية عائشة قنديشة.

وبذلك تحوّل الموضع الطبيعي إلى معلم يحمل دلالة أسطورية، وأصبحت البطاقة شاهداً على جانب من التراث غير المادي للمدينة.

وتسمح لنا الخريطة التاريخية بإضافة عنصر آخر إلى هذه القراءة، يتمثل في الموقع المرجح لعين عراب خارج أسوار العرائش.

فوجود العين في المجال الخارجي للمدينة يجعلها أقرب إلى تلك الأماكن الطبيعية التي ارتبطت في المخيال الشعبي بحكايات الظهورات الغامضة والكائنات غير المرئية.

وقد تكون طبيعة المنطقة، بما تضمه من أراضٍ مفتوحة ومسالك ومصادر للمياه، قد ساعدت على انتشار الروايات المتعلقة بعائشة قنديشة، خصوصاً خلال الليل أو في الأوقات التي يقل فيها ارتياد المكان.

غير أن هذه العلاقة تبقى تفسيراً محتملاً، ولا يمكن اعتبارها دليلاً تاريخياً على أن الموقع الخارجي للعين هو الذي أدى إلى نشوء الأسطورة.

ولا نستطيع من هذه الوثيقة وحدها معرفة ما إذا كان سكان العرائش يعتقدون جميعاً أن الشخصية تسكن العين، أو أن الحكاية كانت متداولة بين فئة محددة، أو أن الناشر الإسباني اختارها لجذب اهتمام مقتني البطاقات البريدية.

وهنا تكمن ضرورة التعامل النقدي مع الوثيقة: فهي تؤكد وجود الربط المكتوب بين المكان والأسطورة، لكنها لا تكشف وحدها عن جميع ظروف نشوء هذا الاعتقاد.

سادساً: صورة فنية حديثة لعائشة قنديشة

ملصق فني تخييلي لعائشة قنديشة في التراث الشعبي المغربي
تصور فني رقمي معاصر لعائشة قنديشة — ليس وثيقة تاريخية

الوثيقة الرابعة: تصور فني رقمي حديث لشخصية عائشة قنديشة، مستوحى من رواية المرأة المنتقمة.

يقدم هذا الملصق تصوراً فنياً لعائشة قنديشة بوصفها امرأة تحولت من ضحية إلى رمز للانتقام والمقاومة.

وتظهر الشخصية في وسط المشهد مرتدية لباساً تقليدياً خيالياً، تحمل سيفاً، بينما تمتد خلفها أجواء ليلية مشحونة بالنيران والاضطراب. وتحيط بها لوحات صغيرة تعرض فصولاً من الحكاية المتخيلة، من حياتها قبل المأساة إلى انتقامها ومصيرها الأخير.

ويستند الملصق إلى إحدى القراءات الأدبية المعاصرة للأسطورة، وليس إلى سيرة تاريخية مثبتة.

فالتفاصيل المتعلقة بأصلها الأندلسي، وإتقانها القرآن والخياطة، وحملها السيف، ووفاة زوجها، ودفنها في مقبرة مجهولة، ينبغي التعامل معها بوصفها عناصر سردية وتخيلية لا حقائق تاريخية مؤكدة.

كما أن القتال بالسيف بالشكل المصور في الملصق هو اختيار فني، وليس تصويراً موثقاً لأساليب المقاومة المرتبطة بالشخصية.

وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يُظهر كيف يمكن إعادة توظيف التراث الشفهي بواسطة الفن الرقمي الحديث، وإعادة تقديم شخصية أسطورية قديمة بأسلوب بصري معاصر.

سابعاً: بين عائشة المقاومة وعائشة الجنية

يثير تحول عائشة قنديشة من امرأة في بعض الروايات إلى جنية مخيفة في روايات أخرى سؤالاً ثقافياً مهماً: كيف تنتقل الشخصية الواحدة بين صورتين متناقضتين؟

يمكن اقتراح أكثر من قراءة لهذا التحول.

فمن جهة، قد تعكس رواية المرأة المقاومة رغبة المخيال الشعبي في تخليد شخصية نسائية تواجه الظلم والقهر، حتى وإن لم تحتفظ الذاكرة بوثائق تثبت سيرتها.

ومن جهة أخرى، تعكس الروايات المرتبطة بالجنية المخيفة حضور الخوف من الأماكن المجهولة، وخصوصاً المسالك المنعزلة والأنهار والعيون خلال الليل.

وثمة قراءة ثالثة ترى في الشخصية تعبيراً عن صورة المرأة القوية التي يصعب إخضاعها، والتي تتحول في بعض المجتمعات من موضوع للإعجاب إلى مصدر للرهبة.

هذه القراءات لا تثبت أصل الأسطورة، لكنها تساعد على فهم تعدد معانيها واستمرار حضورها في الثقافة الشعبية المغربية.

وقد تناولت دراسات ومقالات ثقافية مغربية هذه الازدواجية بين الأسطورة التاريخية والكائن الخارق، ومن بينها دراسة نشرها المؤرخ المعطي منجب في مجلة Zamane.

ثامناً: عين عراب والذاكرة المنسية للعرائش

تتيح بطاقة عين عراب فرصة لطرح أسئلة تتجاوز حكاية عائشة قنديشة نفسها.

فأين كانت العين تحديداً بالنسبة لأسوار العرائش القديمة؟ وهل ما زالت بعض معالمها قائمة؟ وكيف تغير المجال الطبيعي والعمراني المحيط بها منذ بداية القرن العشرين؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى مقارنة الصورة التاريخية بالخرائط القديمة، والوثائق الطبوغرافية، والصور الجوية، والشهادات المحلية.

وقد أتاحت لنا الخريطة التاريخية التي تتضمن المنطقة المحددة باللون الأحمر اقتراح موقع تقريبي لعين عراب خارج المجال المحاط بأسوار المدينة، وهو معطى يساعد على توجيه البحث نحو المجال الخارجي للعرائش القديمة.

ووفق الإحداثيات الميدانية التي قدمها صاحب الدراسة، يقع موضع عين عراب عند 35.19653328043526, -6.149515813463144. وهذه الإحداثيات تمثل تحديداً حديثاً للمكان، بينما يبقى الربط الدقيق بينها وبين الخريطة القديمة بحاجة إلى مقابلة طبوغرافية.

ومن شأن المقارنة المستقبلية بين هذه الخريطة والخرائط الطبوغرافية الحديثة أن تساهم في تحديد الموضع بدقة أكبر، وربما التعرف على بقايا العين أو المعالم التي كانت تحيط بها.

كما سيكون من المفيد دراسة العلاقة بين المنطقة المحددة على الخريطة والسور الظاهر في البطاقة البريدية، ومحاولة التعرف على المنشأة ذات المدخل المقوس الموجودة في خلفية الصورة.

وقد يساعد تحديد هذه المعالم على معرفة الزاوية التي التُقطت منها البطاقة البريدية، وبالتالي الوصول إلى موقع أكثر دقة لعين عراب.

ويكتسب المكان أهمية مضاعفة لأنه يجمع بين نوعين من التراث: التراث المادي المتمثل في العين ومحيطها العمراني والطبيعي، والتراث غير المادي المتمثل في الحكايات والمعتقدات التي ارتبطت بها.

وحتى إن اختفت العين أو تبدلت معالمها، فإن البطاقة البريدية تحفظ جزءاً من الذاكرة البصرية للمكان.

ومن المهم أيضاً جمع شهادات كبار السن من أبناء العرائش، والبحث عن الروايات التي كانت تُحكى حول عين عراب وعائشة قنديشة، مع تسجيل اختلافاتها وعدم دمجها في حكاية واحدة مصطنعة.

تاسعاً: ماذا تثبت الوثائق، وماذا تتركه للأسطورة؟

يمكن تلخيص حصيلة هذا البحث بالتمييز بين أربعة مستويات:

المستوىما يمكن استخلاصه
الوثيقة الفوتوغرافية التاريخيةتوجد بطاقة بريدية من سلسلة مرتبطة بسنة 1911 تربط عين عراب بالاسم الشهير لعائشة قنديشة، وتُظهر المكان في فضاء مفتوح بمحاذاة سور المدينة.
الخريطة التاريخيةتُظهر الخريطة العرائش محاطة بتحصينات وأسوار دفاعية، وتسمح المنطقة المحددة بالإطار الأحمر بترجيح وجود عين عراب خارج النطاق العمراني المسور، دون أن تثبت إحداثيات العين الدقيقة.
التراث الشفهيتتعدد الروايات المغربية حول الشخصية بين الجنية المخيفة والمرأة المقاومة، كما يرتبط اسمها في بعض الحكايات بالعيون والمياه والأماكن المنعزلة.
التفسير التاريخيلم يثبت أن الشخصية كانت امرأة بعينها من العرائش، ولا أن أحداث الانتقام المروية وقعت كما تحكيها الأسطورة. كما لم تثبت بعد علاقة سببية بين الموقع الخارجي للعين ونشوء هذه الحكاية.

ويساعد هذا التمييز على حماية القيمة الحقيقية للوثائق دون تحميلها أكثر مما تستطيع إثباته.

فالقيمة التراثية للحكاية لا تتوقف على إثبات وجود عائشة قنديشة كشخصية تاريخية؛ إذ يكفي أن تكون قد شغلت مخيلة أجيال من المغاربة، وارتبط اسمها بأماكن واقعية في مدنهم وقراهم، لتصبح موضوعاً جديراً بالتوثيق والدراسة.

كما أن الجمع بين الخريطة القديمة والبطاقة البريدية يمنحنا فرصة لفهم العلاقة بين المكان والأسطورة، ويكشف أهمية دراسة المجال الجغرافي عند تناول المعتقدات الشعبية.

خاتمة: عين عراب بين التاريخ والأسطورة

بعد أكثر من قرن على ظهور البطاقة البريدية الإسبانية، ما زال اسم عائشة قنديشة يثير الفضول، وما زالت الحكايات المرتبطة بها تتردد في الثقافة الشعبية المغربية.

أما في العرائش، فإن بطاقة عين عراب تمنح هذه الأسطورة بعداً محلياً مميزاً؛ فهي تربط شخصية غامضة بمكان حقيقي، وتجعل من الصورة القديمة وثيقة تساعد على استعادة جانب من ذاكرة المدينة.

وتضيف الخريطة التاريخية للعرائش معطى مكانياً مهماً إلى هذه الدراسة، إذ تظهر المدينة محاطة بأسوارها الدفاعية، بينما تقع المنطقة التي نرجح وجود عين عراب فيها خارج المجال العمراني المحصن.

ويسمح هذا المعطى بفهم جديد للعلاقة بين العين والمدينة، حيث يبدو المكان جزءاً من المجال الخارجي الذي كان يحيط بالعرائش، لا من الأحياء الموجودة داخل الأسوار.

وقد تكون هذه الخصوصية المكانية أحد العناصر التي ساعدت على ارتباط العين بحكايات الغموض والظهورات الخارقة، خاصة أن التراث الشعبي المغربي كثيراً ما جعل من العيون والمياه والأماكن المنعزلة مسرحاً لأحداث أسطورية.

غير أن هذا التفسير يظل احتمالاً يحتاج إلى المزيد من البحث، ولا ينبغي تقديمه باعتباره حقيقة تاريخية مثبتة.

وبين الصورة التاريخية، والنسخة الملونة، والخريطة القديمة، والملصق الفني الحديث، تتجلى أربع طرق مختلفة للنظر إلى الماضي: التوثيق، وإعادة الإظهار، والتحليل المكاني، وإعادة التخيل.

إن الهدف من استحضار عائشة قنديشة ليس إثبات وجود كائن خارق، ولا تقديم الحكاية الشعبية باعتبارها حقيقة تاريخية، وإنما فهم كيف نسج أهل المغرب قصصهم حول الأماكن، وكيف تحولت بعض العيون والأنهار والمسالك إلى فضاءات تسكنها الأساطير في الذاكرة الجماعية.

وتظل عين عراب بالعرائش مثالاً يستحق المزيد من البحث الميداني والتاريخي، قبل أن تضيع آخر الشهادات التي تربط المكان بحكايات الأجداد.

ولعل أهم ما تكشفه هذه الدراسة هو أن ذاكرة العرائش لا تنحصر داخل أسوار مدينتها التاريخية، بل تمتد أيضاً إلى الأراضي والعيون والمسالك التي أحاطت بها، حيث تداخلت حياة الناس اليومية مع المعتقدات الشعبية، وتحولت بعض الأمكنة إلى علامات راسخة في الذاكرة الجماعية.

المصادر والمراجع

  • البطاقة البريدية التاريخية: Campaña de Marruecos 1911 — Larache — Ain Arab fuente donde vive la célebre Aicha Kandicha، من الصور المقدمة لهذا المقال.

  • الخريطة التاريخية: Plan de la Ville et Forteresse de Larrache، النسخة المقدمة للمقال، مع تحديد المنطقة المرجحة لعين عراب بإطار أحمر. تاريخ رسم النسخة الأصلية قيد التحقق.

  • Osire Glacier, Aïcha Qandicha… ou Qidissa ?، 2010.

  • Maâti Monjib, Aicha Kandicha, la légende et le démon، مجلة Zamane، 2024.

  • أرشيف الحكايات الشعبية بجامعة جنوب كاليفورنيا، شهادة شفوية بعنوان Aïcha Kandicha Jinia.

  • مراجع أنثروبولوجية وأدبية عن عائشة قنديشة وتقاليدها الشعبية، منها أعمال Vincent Crapanzano وJohn Maier.

إعداد وتوثيق: مدونة «تاريخ العرائش بالصور» — Historia de Larache en fotos.

الصورة التاريخية والخريطة من الوثائق المقدمة للمقال. الترميم اللوني والملصق الفني معالجان رقميتان حديثتان. تحديد موقع عين عراب على الخريطة قراءة مكانية تقريبية تحتاج إلى مزيد من التحقق الميداني والتاريخي.

📍 Aïn Arab · Google MapsFacebookWhatsApp

vendredi 16 octobre 2026

La Gota de Leche de Larache

HISTORIA DE LARACHE EN FOTOS · ARCHIVOS Y MEMORIA SOCIAL

«قطرة الحليب» بالعرائش: حين كانت صحة الرضيع قضية اجتماعية

وثيقة إسبانية نادرة تفتح نافذة على تاريخ الرعاية الصحية والاجتماعية بمدينة العرائش

لا يُكتب تاريخ المدن من خلال المعارك والتحولات السياسية والمباني الكبرى وحدها، بل يُكتب أيضاً من خلال تفاصيل الحياة اليومية لسكانها، ومن خلال المؤسسات الصغيرة التي حاولت التخفيف من معاناة الناس ومواجهة الأمراض والفقر والهشاشة الاجتماعية. وقد تكشف وثيقة قديمة، تبدو للوهلة الأولى مجرد مجموعة من القوانين والتعليمات الإدارية، عن عالم كامل من العلاقات الإنسانية والظروف الاجتماعية والممارسات الصحية التي ميزت حقبة تاريخية بعينها.

من هذا المنطلق تكتسب الوثيقة الإسبانية المعنونة «Reglamento de la Sección Gota de Leche y Puericultura de la Cruz Roja de Larache» أهمية خاصة في دراسة التاريخ الاجتماعي لمدينة العرائش. ويتعلق الأمر بالنظام الداخلي لقسم «قطرة الحليب ورعاية الرضع» التابع للصليب الأحمر بالعرائش، وهي مؤسسة خُصصت للعناية بصحة الأطفال الرضع، وتوجيه الأمهات، وتوفير الحليب والرعاية الصحية، ولا سيما للأسر التي تعاني ظروفاً اقتصادية صعبة.

والوثيقة، التي تحمل نسختها المصورة علامات المكتبة الوطنية الإسبانية، لا تكتفي بتقديم أهداف المؤسسة، بل تكشف عن تنظيم دقيق لعملها، وعن تصور طبي واجتماعي لكيفية حماية الأطفال من الأمراض وسوء التغذية، في زمن كانت فيه وفيات الرضع تشكل إحدى المشكلات الصحية الكبرى.

من أين جاءت فكرة «قطرة الحليب»؟

ظهر مفهوم «قطرة الحليب» في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، في سياق تزايد الاهتمام بمكافحة وفيات الرضع وتحسين شروط تغذيتهم، خاصة في الأوساط الفقيرة. وانتشرت هذه المؤسسات في عدد من البلدان، من بينها إسبانيا، حيث شكلت جزءاً من التحولات التي عرفتها الصحة العمومية وطب الأطفال خلال العقود الأولى من القرن العشرين.

ولم تكن «قطرة الحليب» مجرد مركز لتوزيع الحليب، بل كانت مؤسسة تجمع بين المساعدة الغذائية والمراقبة الطبية والتثقيف الصحي. وقد ارتبط نشاطها بتطور مفهوم «Puericultura»، أي علم رعاية الطفل والاهتمام بنموه وصحته خلال سنواته الأولى.

وكانت الفكرة الأساسية تقوم على أن حماية الرضيع لا تتحقق بتوفير الغذاء وحده، وإنما تتطلب أيضاً متابعة حالته الصحية، وتوجيه الأم إلى طرق الإرضاع والنظافة والوقاية من الأمراض.

وفي هذا السياق التاريخي العام يمكن فهم ظهور قسم «قطرة الحليب» بمدينة العرائش ضمن أنشطة الصليب الأحمر خلال فترة الحماية الإسبانية، باعتباره امتداداً لنموذج مؤسسات الرعاية الصحية والاجتماعية الذي كان ينتشر في إسبانيا آنذاك.

مؤسسة بالعرائش لمواجهة وفيات الأطفال

تكشف المادة الأولى من النظام الداخلي عن الهدف الأساسي لهذه المؤسسة، إذ تنص على محاربة الوفيات المرتفعة بين الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو الوضع الاجتماعي.

وتكتسب هذه العبارة أهمية تاريخية خاصة في مدينة مثل العرائش، التي كانت تعيش خلال الحماية الإسبانية واقعاً اجتماعياً متنوعاً، تتجاور فيه جماعات سكانية مختلفة من حيث الأصول والانتماءات الدينية والمستويات الاقتصادية.

غير أن التنصيص على عدم التمييز في النظام الداخلي لا يكفي وحده لإثبات أن جميع الفئات السكانية استفادت فعلياً وبالقدر نفسه من خدمات المؤسسة. فذلك يحتاج إلى سجلات المستفيدين والوثائق الإدارية التي توضح طبيعة نشاطها وحجم خدماتها.

ومع ذلك، فإن إدراج هذا المبدأ ضمن النص التنظيمي يعكس تصوراً إنسانياً معلناً للمؤسسة، يقوم على اعتبار حماية حياة الطفل هدفاً يتجاوز الانتماءات الاجتماعية والدينية.

الحليب والرضاعة الطبيعية: بين المساعدة الطبية والتوعية

من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الوثيقة أنها تعطي مكانة مركزية للرضاعة الطبيعية.

فالنظام الداخلي يوضح أن المؤسسة كانت تسعى إلى تشجيع الأمهات على إرضاع أطفالهن، كلما كان ذلك ممكناً، مع توفير حليب ذي جودة مناسبة ومعالج صحياً للنساء اللواتي يتعذر عليهن الإرضاع الطبيعي بسبب نقص الحليب أو غيابه.

كما تشير الوثيقة إلى تقديم المساعدة للأطفال الذين يحتاجون إلى أغذية تحضيرية خاصة، وهو ما يكشف أن نشاط المؤسسة لم يقتصر على توزيع كمية موحدة من الحليب على جميع الرضع، وإنما ارتبط بتقدير الاحتياجات الغذائية وفق حالة كل طفل.

وكانت المؤسسة تتولى أيضاً إسداء النصائح للأمهات حول كيفية إرضاع الأطفال والعناية بهم، وهو جانب يعكس انتقال الرعاية من المساعدة الغذائية البسيطة إلى ما يمكن اعتباره شكلاً مبكراً من أشكال التربية الصحية للأسر.

الأمهات أمام نظام صارم من المراقبة الطبية

لم تكن الاستفادة من خدمات «قطرة الحليب» مفتوحة دون شروط، فقد وضعت المؤسسة نظاماً دقيقاً لتسجيل الأمهات وتتبع الأطفال.

وتفيد الوثيقة بأن بعض فئات المستفيدات كن ملزمات بالحضور إلى العيادة مرتين أسبوعياً، وأن الأطفال كانوا يخضعون للفحص والوزن وفق ترتيب محدد.

كما كانت كل أم تحصل على بطاقة تسجيل خاصة، يتوجب تقديمها عند الحضور إلى الاستشارة الطبية، مع تسجيل التعليمات المتعلقة بالتغذية والمتابعة.

وتشير إحدى المواد إلى أن الأم التي تتغيب ثلاثة أسابيع متتالية دون سبب مبرر، أو تمتنع عن اتباع تعليمات المسؤول الطبي، قد تفقد حقها في الاستفادة من خدمات المؤسسة.

وتكشف هذه الأحكام عن طبيعة الرعاية الصحية في تلك المرحلة، حيث كانت المساعدة مشروطة بالانضباط لتعليمات الطبيب والإدارة. وهي صورة تجمع بين الحرص على متابعة الرضيع صحياً وبين سلطة المؤسسة على الحياة اليومية للأمهات المستفيدات.

الفقر والتفاوت الاجتماعي في الحصول على الحليب

تكشف الوثيقة أيضاً عن وجود تصنيف اجتماعي للأسر المستفيدة، إذ كانت الأمهات توزع على فئات مختلفة حسب أوضاعهن الاقتصادية، مع اختلاف المبالغ المطلوبة مقابل خدمات المؤسسة.

فالنظام الداخلي يذكر فئات تستفيد من الحليب مقابل مساهمات مالية، وأخرى تحصل عليه مجاناً، الأمر الذي يدل على أن المؤسسة اعتمدت مبدأ التمييز بين القدرة على الدفع والحاجة إلى المساعدة الاجتماعية.

وتظهر في جدول الرسوم مبالغ محسوبة بالبيزيتا الإسبانية، منها مساهمة مقدارها بيزيتا واحدة لفئة ميسورة، ومساهمات أقل لفئات أخرى، وصولاً إلى الإعفاء من الأداء بالنسبة للفئة الأشد فقراً.

غير أن هذا التصنيف لا ينبغي فهمه باعتباره صورة شاملة لبنية المجتمع العرائشي، بل بوصفه نموذجاً إدارياً اعتمدته المؤسسة لتوزيع خدماتها.

ومع ذلك، فإنه يفتح أمام الباحث أسئلة مهمة عن الأوضاع المعيشية للأسر آنذاك، وعن مدى قدرة الطبقات الشعبية على الوصول إلى الخدمات الطبية والغذائية.

قنينة الحليب وثقافة النظافة الصحية

يحتوي الكتيّب كذلك على تعليمات مفصلة موجهة للأمهات، تحت عنوان «Consultorio de Niños de Pecho»، أي مستوصف الأطفال الرضع.

وتشرح هذه التعليمات كيفية استعمال قنينات الرضاعة، وتنظيفها، والمحافظة على الحليب، وتنظيم أوقات إرضاع الطفل.

وكانت الأمهات يتسلمن عدداً من القنينات يحتوي على الحصة الغذائية اليومية المحددة، مع ضرورة إرجاع القنينات الفارغة إلى المؤسسة.

وتشدد التعليمات على غسل القنينات بعناية، والحفاظ على نظافتها، وتجنب تعريض الحليب للتلوث. كما تنبه الأمهات إلى ضرورة طلب المساعدة الطبية عند ظهور علامات مرضية على الطفل.

وتكشف هذه التفاصيل عن أهمية النظافة الغذائية ضمن الخطاب الطبي في تلك المرحلة، وخاصة في ما يتعلق بخطر الأمراض المعوية المرتبطة بالتغذية غير السليمة.

لكن هذه التعليمات ينبغي قراءتها باعتبارها شاهداً على الممارسات الطبية التاريخية، لا باعتبارها إرشادات صالحة للتطبيق اليوم، إذ تطورت المعرفة الطبية ومعايير تغذية الرضع تطوراً كبيراً منذ ذلك الزمن.

حين كانت القنينة مسؤولية مالية

ومن التفاصيل اللافتة في الوثيقة وجود جدول لتعويض الأضرار والخسائر المرتبطة بالقنينات وأدوات الرضاعة.

فقد ألزمت المؤسسة الأمهات بتعويض القنينات المكسورة، والأغطية والسدادات وبعض أدوات التغذية التي تتعرض للتلف أو الضياع.

وقد تبدو هذه الجزئيات اليوم بسيطة، لكنها تعكس طبيعة التسيير اليومي للمؤسسة، وحجم الاهتمام بالمحافظة على الموارد والأدوات المستعملة.

كما تكشف عن أن قنينة الحليب لم تكن مجرد وعاء منزلي، بل جزءاً من منظومة منظمة لتوزيع الغذاء ومراقبة استعماله وإعادته.

حماية الرضع من الأمراض المعدية

يختتم الكتيّب بمجموعة من التحذيرات الصحية، من أبرزها المنع الصارم لإحضار الأطفال المصابين بأمراض معدية إلى المستوصف، مع الإشارة إلى السعال الديكي وغيره من الأمراض القابلة للانتقال.

ويعكس هذا الإجراء وعياً بأهمية الوقاية داخل المؤسسات الصحية التي تستقبل الرضع، باعتبارهم من الفئات الأكثر هشاشة أمام العدوى.

كما يؤكد أن نشاط «قطرة الحليب» لم يكن مقتصراً على التغذية، بل كان مرتبطاً بمفهوم أوسع لحماية صحة الأطفال، يقوم على النظافة والمراقبة والوقاية.

وثيقة تطرح أسئلة أكثر مما تقدم من أجوبة

رغم ما تكشفه هذه الصفحات من معلومات ثمينة، فإنها تترك عدداً من الأسئلة التاريخية مفتوحاً.

فمتى تأسس قسم «قطرة الحليب» بمدينة العرائش؟ وأين كان مقره بالضبط؟ ومن هم الأطباء والممرضات الذين أشرفوا عليه؟ وكم بلغ عدد الأطفال الذين استفادوا من خدماته؟ وهل استمر نشاطه إلى نهاية عهد الحماية الإسبانية، أم توقف قبل ذلك؟

كما يظل من المهم معرفة طبيعة العلاقة التي جمعت هذه المؤسسة بالسلطات الصحية والإدارية آنذاك، ومصادر تمويلها، ودور الهيئات الخيرية المحلية في دعم نشاطها.

ولا تسمح الصفحات المتاحة من هذا النظام الداخلي بتحديد تاريخ تأسيس المؤسسة أو مدة نشاطها بصورة قاطعة. ومن الضروري التمييز بين وجود المؤسسة، وهو ما تثبته الوثيقة، وبين تحديد تاريخ نشأتها ومراحل تطورها، وهو ما يحتاج إلى مصادر إضافية.

وقد تساعد الصحافة الإسبانية القديمة، والأرشيفات الإدارية والصحية، والتقارير السنوية للصليب الأحمر، في استكمال هذه الصورة.

في ذاكرة العرائش المنسية

لا تكمن قيمة هذه الوثيقة في مضمونها الطبي وحده، بل في قدرتها على استعادة جانب إنساني من تاريخ المدينة، قد يغيب عن الروايات التي تركز على المباني والمؤسسات العسكرية والإدارية.

فمن خلال صفحاتها نستطيع أن نتخيل أمهات يحملن أطفالهن إلى المستوصف، ينتظرن دورهن في الفحص، ويتسلمن حصص الحليب، ويعودن إلى بيوتهن حاملات قنينات صغيرة وتعليمات طبية كان يُعتقد أنها تساعد على حماية أطفالهن من المرض وسوء التغذية.

إنها صورة من الحياة اليومية في العرائش خلال عهد الحماية، صورة لا تحتفظ بها الواجهات المعمارية ولا الخرائط الحضرية، وإنما تحفظها هذه الأوراق القديمة.

وإذا كانت دراسة التراث المعماري ضرورية لفهم تطور المدينة، فإن دراسة تاريخ مؤسساتها الصحية والخيرية لا تقل أهمية، لأنها تعيد الإنسان إلى قلب الحكاية.

وهكذا، فإن كتيّب «قطرة الحليب» لا يمثل مجرد نظام داخلي لمؤسسة تابعة للصليب الأحمر، وإنما يشكل شهادة تاريخية على مرحلة بدأت فيها حماية صحة الطفل تأخذ شكلاً مؤسساتياً منظماً، وعلى مجتمع كانت فيه مسألة الحصول على الحليب والرعاية الصحية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالفقر والظروف المعيشية.

وتبقى هذه الوثيقة دعوة إلى البحث عن آثار المؤسسة في ذاكرة العرائش، وإلى استعادة قصة النساء والأطفال والأطباء الذين ارتبطت حياتهم، بصورة أو بأخرى، بتلك التجربة الإنسانية.

فالتاريخ الحقيقي للمدن لا يقتصر على ما شُيّد فيها من حجارة، بل يشمل أيضاً ما بُذل فيها من جهود لحماية الحياة الإنسانية.

La Gota de Leche de Larache: cuando la salud del lactante era una cuestión social

Un raro documento español abre una ventana a la historia sanitaria y social de Larache

La historia de las ciudades no se escribe únicamente a partir de batallas, cambios políticos y grandes edificios. También se construye a través de la vida cotidiana y de pequeñas instituciones que procuraban aliviar el sufrimiento, las enfermedades, la pobreza y la vulnerabilidad. Un antiguo reglamento administrativo puede desvelar un universo de relaciones humanas, circunstancias sociales y prácticas sanitarias de una época.

Desde esta perspectiva cobra especial importancia el documento «Reglamento de la Sección Gota de Leche y Puericultura de la Cruz Roja de Larache». Regula una sección destinada al cuidado de los lactantes, la orientación de las madres y el suministro de leche y asistencia sanitaria, especialmente a familias de escasos recursos.

La copia reproducida, que lleva marcas de la Biblioteca Nacional de España, no solo define los objetivos de la institución: describe su organización y una concepción médica y social de la protección frente a las enfermedades y la malnutrición, cuando la mortalidad infantil constituía uno de los grandes problemas sanitarios.

¿De dónde surgió la idea de la «Gota de Leche»?

Las Gotas de Leche surgieron en Europa a finales del siglo XIX, en un contexto de creciente preocupación por la mortalidad infantil y por mejorar la nutrición de los recién nacidos, especialmente entre las familias pobres. Se extendieron a diversos países, incluida España, y formaron parte de las transformaciones de la salud pública y la pediatría de principios del siglo XX.

No eran simples centros de reparto de leche: combinaban ayuda alimentaria, vigilancia médica y educación sanitaria. Su actividad estaba ligada al desarrollo de la «puericultura», es decir, al conocimiento y cuidado del crecimiento y la salud de los niños pequeños.

La idea central era que proteger al lactante no consistía únicamente en proporcionarle alimento, sino también en observar su estado de salud y orientar a la madre sobre lactancia, higiene y prevención.

En ese marco general puede entenderse la presencia de una sección de Gota de Leche en Larache dentro de las actividades de la Cruz Roja durante el Protectorado español, como expresión local de un modelo asistencial difundido entonces en España.

Una institución larachense contra la mortalidad infantil

El artículo primero del reglamento define su objetivo: combatir la elevada mortalidad de la primera infancia, sin distinción de raza, religión ni posición social.

La declaración reviste especial interés en una ciudad como Larache, cuya población durante el Protectorado era diversa en orígenes, confesiones y condiciones económicas.

Sin embargo, la declaración de igualdad no demuestra por sí sola que todos los grupos se beneficiaran efectivamente de los servicios en igual medida. Para establecerlo harían falta registros de usuarios y documentación administrativa sobre el funcionamiento y el alcance real de la institución.

En cualquier caso, incluir ese principio en el reglamento revela una orientación humanitaria declarada: preservar la vida de los niños más allá de las pertenencias sociales y religiosas.

Leche y lactancia materna: entre la asistencia y la educación

Uno de los aspectos más significativos del documento es la importancia concedida a la lactancia materna.

El reglamento indica que la institución procuraba animar a las madres a amamantar siempre que fuera posible, y proporcionaba leche de buena calidad, tratada para su seguridad, a quienes no podían hacerlo por escasez o ausencia de leche materna.

También menciona ayudas para niños que precisaban preparados alimenticios especiales. Ello demuestra que el servicio no se reducía a distribuir una cantidad idéntica de leche a cada lactante, sino que pretendía atender necesidades dietéticas particulares.

La institución aconsejaba asimismo a las madres sobre la alimentación y los cuidados infantiles, en lo que podemos interpretar como una forma temprana de educación sanitaria familiar.

Las madres y una estricta supervisión médica

El acceso a los servicios de la Gota de Leche estaba sujeto a condiciones. La institución había establecido reglas detalladas para registrar a las madres y seguir la evolución de los niños.

Según el reglamento, ciertas categorías de beneficiarias debían acudir al consultorio dos veces por semana; los niños eran examinados y pesados por riguroso turno.

Cada madre recibía una tarjeta de registro que debía presentar en la consulta, en la que se consignaban las indicaciones de alimentación y seguimiento.

Una disposición estipulaba que la madre que faltase tres semanas consecutivas sin causa justificada o no siguiera los consejos del director facultativo podía perder su derecho a los beneficios del consultorio.

Estas normas ilustran una asistencia subordinada al cumplimiento de las indicaciones médicas y administrativas: combinaban el interés por la salud infantil con el poder de la institución sobre la vida cotidiana de las beneficiarias.

Pobreza y desigualdad social en el acceso a la leche

El documento muestra una clasificación social de las familias atendidas, agrupadas según su situación económica y sujetas a distintos pagos por los servicios.

El reglamento prevé categorías que obtenían leche a cambio de una aportación monetaria y otras que la recibían gratis. La institución diferenciaba, por tanto, entre capacidad de pago y necesidad de auxilio social.

El cuadro de tarifas expresa las cuotas en pesetas españolas: incluye una peseta para la categoría acomodada, cantidades menores para otras categorías y gratuidad para las madres más pobres.

La clasificación no debe tomarse como retrato completo de la sociedad larachense, sino como un esquema administrativo para distribuir prestaciones.

Aun así, plantea preguntas sobre las condiciones de vida de las familias de la época y sobre el acceso de los sectores populares a la atención médica y alimentaria.

El biberón y la cultura de la higiene

El folleto contiene además instrucciones detalladas dirigidas a las madres bajo el título «Consultorio de Niños de Pecho».

Esas instrucciones explican cómo utilizar y lavar los biberones, conservar la leche y organizar las tomas del niño.

Las madres recibían una cesta con los biberones correspondientes a la ración diaria, y debían devolver los recipientes vacíos a la institución.

El texto insiste en el lavado cuidadoso y la limpieza de los recipientes, así como en evitar la contaminación de la leche. Recomienda consultar al médico si el niño presenta signos de enfermedad.

Estos detalles revelan la importancia de la higiene alimentaria en el discurso médico del momento, especialmente ante el riesgo de enfermedades intestinales relacionadas con una alimentación insegura.

No obstante, se trata de instrucciones médicas históricas, no de recomendaciones vigentes: los conocimientos y las normas de alimentación infantil han evolucionado considerablemente.

Cuando romper un biberón suponía una obligación económica

Un detalle revelador es la existencia de una tabla de indemnizaciones por daños y pérdidas de biberones y accesorios.

La institución obligaba a compensar el valor de los frascos rotos, tapones y otros utensilios extraviados o estropeados.

Puede parecer secundario, pero muestra la gestión diaria y la importancia concedida a la conservación de los recursos materiales.

El biberón era así algo más que un objeto doméstico: formaba parte de un sistema organizado de distribución, control y devolución de alimentos y recipientes.

Protección de los lactantes frente a enfermedades contagiosas

El folleto termina con advertencias sanitarias. Destaca la prohibición terminante de llevar al consultorio niños afectados de enfermedades contagiosas, incluida la tos ferina.

La medida testimonia una conciencia preventiva en un lugar que recibía a niños especialmente vulnerables al contagio.

Confirma también que la Gota de Leche no era únicamente un servicio alimentario, sino una forma más amplia de protección infantil mediante higiene, vigilancia y prevención.

Un documento que suscita más preguntas de las que responde

A pesar de la riqueza de sus páginas, quedan numerosas preguntas históricas abiertas.

¿Cuándo se creó la Gota de Leche de Larache? ¿Dónde se encontraba exactamente? ¿Quiénes fueron sus médicos y enfermeras? ¿A cuántos niños atendió? ¿Funcionó hasta el final del Protectorado español o cesó antes?

También falta aclarar su relación con las autoridades sanitarias y administrativas, sus fuentes de financiación y la participación de entidades benéficas locales.

Las páginas disponibles no permiten establecer con certeza la fecha de fundación ni la duración de su actividad. Debemos distinguir la existencia de la sección, acreditada por el documento, de la cronología de su creación y evolución, pendiente de nuevas fuentes.

La prensa española antigua, los archivos administrativos y sanitarios y los informes anuales de la Cruz Roja podrían ayudar a completar esa historia.

En la memoria olvidada de Larache

El valor del documento no es únicamente médico. Nos devuelve un aspecto humano del pasado urbano, ausente de los relatos centrados en los edificios y las instituciones militares o administrativas.

Sus páginas permiten imaginar a madres llevando a sus hijos al consultorio, esperando turno, recogiendo la ración de leche y regresando a casa con pequeños biberones y recomendaciones médicas que entonces se consideraban protectoras frente a la enfermedad y la malnutrición.

Es una escena de la vida cotidiana de Larache durante el Protectorado que no conservan las fachadas ni los planos urbanísticos, pero sí estas hojas antiguas.

Si estudiar el patrimonio arquitectónico es indispensable para comprender el desarrollo de la ciudad, investigar sus instituciones sanitarias y benéficas es igualmente esencial para devolver a las personas al centro del relato.

El reglamento no es, por tanto, un simple conjunto de normas de una sección de la Cruz Roja: es un testimonio de una época en la que la protección de la infancia empezaba a organizarse institucionalmente y en la que disponer de leche y cuidados médicos estaba íntimamente vinculado con la pobreza y las condiciones de vida.

Estas páginas invitan a rastrear la huella de la institución en la memoria local y a recuperar las historias de mujeres, niños y profesionales de la salud que participaron de alguna manera en esta experiencia.

Porque la verdadera historia de las ciudades no se limita a la piedra que se levantó en ellas, sino que incluye los esfuerzos realizados para proteger la vida humana.

La Goutte de lait à Larache : quand la santé du nourrisson était une question sociale

Un rare document espagnol éclaire l’histoire sanitaire et sociale de Larache

L’histoire des villes ne s’écrit pas seulement à partir des batailles, des bouleversements politiques et des grands édifices. Elle se lit aussi dans la vie quotidienne et dans les petites institutions qui tentaient d’atténuer la souffrance, les maladies, la pauvreté et la précarité. Un ancien règlement administratif peut ainsi révéler un univers de relations humaines, de conditions sociales et de pratiques sanitaires propres à une époque.

C’est dans cette perspective que le document intitulé « Reglamento de la Sección Gota de Leche y Puericultura de la Cruz Roja de Larache » prend une importance particulière. Il s’agit du règlement d’une section de la Croix-Rouge de Larache consacrée aux nourrissons, aux conseils aux mères et à la fourniture de lait et de soins, notamment aux familles modestes.

La copie reproduite, portant des marques de la Bibliothèque nationale d’Espagne, ne se borne pas à présenter ses objectifs : elle expose son organisation et une conception médicale et sociale de la lutte contre les maladies et la malnutrition, à une époque où la mortalité infantile constituait un problème sanitaire majeur.

D’où vient l’idée de la « Goutte de lait » ?

Le concept de « Goutte de lait » apparaît en Europe à la fin du XIXe siècle, dans un contexte d’attention croissante portée à la mortalité infantile et à l’amélioration de l’alimentation des nouveau-nés, surtout dans les milieux défavorisés. Il se diffuse dans plusieurs pays, dont l’Espagne, et accompagne les transformations de la santé publique et de la pédiatrie au début du XXe siècle.

Ces établissements ne se limitaient pas à distribuer du lait : ils associaient aide alimentaire, surveillance médicale et éducation sanitaire. Leur activité relevait de la « puericultura », autrement dit de la puériculture, discipline consacrée à la croissance et à la santé du jeune enfant.

L’idée maîtresse était que protéger le nourrisson ne consistait pas seulement à le nourrir, mais également à suivre son état de santé et à conseiller sa mère sur l’allaitement, l’hygiène et la prévention.

C’est dans ce cadre général que l’on peut comprendre l’existence à Larache d’une section de la Goutte de lait relevant de la Croix-Rouge pendant le Protectorat espagnol : une manifestation locale d’un modèle d’assistance répandu en Espagne à cette époque.

À Larache, une institution contre la mortalité infantile

L’article premier du règlement définit son objectif fondamental : combattre la forte mortalité de la petite enfance sans distinction de race, de religion ni de condition sociale.

Cette formule possède un intérêt historique particulier à Larache, ville dont la population, sous le Protectorat, était diverse par ses origines, ses confessions et ses situations économiques.

Cependant, cette affirmation d’égalité ne prouve pas à elle seule que tous les groupes aient effectivement bénéficié des services de façon identique. Pour l’établir, il faudrait disposer des registres des bénéficiaires et des archives administratives sur l’activité réelle du centre.

Inscrire ce principe dans le règlement révèle néanmoins une orientation humanitaire affichée : protéger la vie des enfants par-delà les appartenances sociales et religieuses.

Lait et allaitement maternel : entre assistance et sensibilisation

L’un des aspects marquants du document est la place centrale accordée à l’allaitement maternel.

Le règlement précise que l’institution encourageait les mères à allaiter, dans la mesure du possible, tout en fournissant du lait de bonne qualité et traité dans des conditions sanitaires appropriées à celles qui ne pouvaient pas allaiter faute de lait maternel suffisant.

Le texte évoque également l’aide aux enfants nécessitant des préparations alimentaires particulières. Le service ne consistait donc pas à distribuer à tous les nourrissons une quantité uniforme de lait, mais à prendre en considération leurs besoins alimentaires.

L’institution donnait aussi des conseils aux mères sur l’alimentation et les soins des enfants, ce qui témoigne d’une forme précoce d’éducation sanitaire familiale.

Les mères soumises à un suivi médical strict

L’accès à la Goutte de lait n’était pas inconditionnel. L’institution avait adopté des règles précises d’inscription des mères et de suivi des enfants.

Selon le règlement, certaines catégories de bénéficiaires étaient tenues de se présenter au dispensaire deux fois par semaine ; les enfants étaient examinés et pesés selon un ordre rigoureux.

Chaque mère recevait une carte d’inscription qu’elle devait présenter lors de la consultation et sur laquelle figuraient les indications de suivi et d’alimentation.

Une disposition prévoyait qu’une mère absente trois semaines consécutives sans motif valable, ou refusant de suivre les conseils du directeur médical, pouvait perdre le droit aux prestations.

Ces règles révèlent la nature de l’assistance de l’époque : l’aide était conditionnée au respect des consignes médicales et administratives. Elles associaient le souci de la santé de l’enfant à une autorité exercée sur le quotidien des mères.

Pauvreté et inégalités dans l’accès au lait

Le document présente aussi une classification sociale des familles, réparties selon leur situation économique, avec des montants de participation différents.

Le règlement prévoyait que certaines catégories obtiennent le lait en contrepartie d’une contribution financière, tandis que d’autres le recevaient gratuitement. Il distinguait donc capacité à payer et besoin d’assistance.

Le tableau des tarifs, exprimés en pesetas espagnoles, indique notamment une peseta pour la catégorie aisée, des montants inférieurs pour les autres et la gratuité pour les mères les plus pauvres.

Il ne faut pas considérer cette classification comme une représentation exhaustive de la société larachaise : il s’agissait d’un dispositif administratif de répartition des prestations.

Elle soulève néanmoins des interrogations sur les conditions de vie des familles et sur l’accès des classes populaires aux soins et à l’alimentation.

Le biberon et la culture de l’hygiène

La brochure contient également des instructions détaillées destinées aux mères, sous le titre « Consultorio de Niños de Pecho », c’est-à-dire dispensaire pour nourrissons.

Ces consignes expliquent comment utiliser et laver les biberons, conserver le lait et organiser les repas du bébé.

Les mères recevaient un panier de biberons correspondant à la ration quotidienne prescrite et devaient rapporter les récipients vides.

Le texte insiste sur leur nettoyage minutieux et sur la prévention de la contamination du lait. Il invite aussi à consulter un médecin lorsque le nourrisson montre des signes de maladie.

Ces détails illustrent le poids de l’hygiène alimentaire dans la pensée médicale de l’époque, notamment face aux maladies intestinales liées à une alimentation insalubre.

Il faut toutefois lire ces conseils comme un témoignage de pratiques historiques et non comme des recommandations actuelles : les connaissances médicales et les normes d’alimentation infantile ont considérablement évolué.

Quand le biberon devenait une responsabilité financière

Un détail significatif est l’existence d’un barème d’indemnisation des biberons et accessoires endommagés ou perdus.

L’institution imposait aux mères de rembourser les biberons cassés, les bouchons et certains ustensiles détériorés ou égarés.

Ces éléments peuvent sembler anecdotiques aujourd’hui, mais ils témoignent de la gestion quotidienne du centre et du soin apporté à la préservation des ressources.

Le biberon n’était donc pas seulement un objet domestique : il s’intégrait dans un dispositif organisé de distribution, de contrôle et de restitution.

Protéger les nourrissons des maladies contagieuses

La brochure s’achève par des avertissements sanitaires, dont une interdiction stricte de conduire au dispensaire les enfants atteints de maladies contagieuses, notamment de coqueluche.

Cette mesure témoigne d’une préoccupation préventive au sein d’un établissement accueillant des nourrissons particulièrement vulnérables.

Elle confirme que la Goutte de lait ne se limitait pas à distribuer des aliments, mais participait à une conception plus large de la santé infantile fondée sur l’hygiène, le suivi et la prévention.

Un document qui pose plus de questions qu’il n’apporte de réponses

Malgré la richesse de ces pages, de nombreuses questions historiques restent ouvertes.

Quand la Goutte de lait de Larache fut-elle fondée ? Où se trouvait-elle précisément ? Quels médecins et quelles infirmières y travaillaient ? Combien d’enfants en bénéficièrent ? Poursuivit-elle son activité jusqu’à la fin du Protectorat espagnol, ou ferma-t-elle auparavant ?

Il reste aussi à comprendre ses rapports avec les autorités sanitaires et administratives, ses sources de financement et le rôle des organismes philanthropiques locaux.

Les pages disponibles ne permettent pas d’établir avec certitude la date de sa fondation ni la durée de son activité. Il importe de distinguer son existence, attestée par la source, de sa chronologie, qui nécessite des documents supplémentaires.

La presse espagnole ancienne, les archives administratives et sanitaires ainsi que les rapports annuels de la Croix-Rouge pourraient compléter cette histoire.

Dans la mémoire oubliée de Larache

La valeur de cette pièce n’est pas seulement médicale. Elle restitue une dimension humaine du passé de la ville, souvent absente des récits centrés sur les bâtiments et les administrations civiles ou militaires.

À travers ces pages, nous pouvons imaginer des mères portant leurs nourrissons au dispensaire, attendant leur tour, recevant leurs rations de lait et rentrant chez elles avec de petits biberons et des consignes médicales que l’on considérait alors comme des moyens de prévenir la maladie et la malnutrition.

C’est une scène de la vie quotidienne de Larache sous le Protectorat, que ne conservent ni les façades ni les cartes, mais que gardent vivante ces vieilles feuilles.

Si l’étude du patrimoine architectural est essentielle pour comprendre l’évolution urbaine, celle des institutions sanitaires et caritatives est tout aussi nécessaire pour replacer les êtres humains au cœur du récit.

Le règlement n’est donc pas simplement le texte intérieur d’une section de la Croix-Rouge : il témoigne d’une époque où la protection de l’enfance commençait à prendre une forme institutionnelle et où l’accès au lait et aux soins restait étroitement lié à la pauvreté et aux conditions de vie.

Il invite à rechercher les traces de l’institution dans la mémoire locale et à retrouver l’histoire des femmes, des enfants et des soignants associés à cette expérience.

Car l’histoire véritable des villes ne se limite pas aux pierres qu’on y a élevées ; elle comprend aussi les efforts accomplis pour préserver la vie humaine.

اضغط على أي صفحة لتكبيرها، واستعمل السهمين للتنقل بين الصور. المعرض يضم الصور الإحدى عشرة المرتبطة في الملف الأصلي؛ لم نضف رابطاً متخيلاً لصورة ثانية عشرة.
Pulse cualquier página para ampliarla. Se conservan las once imágenes enlazadas en el código original; no se ha inventado una duodécima dirección.
Cliquez sur une page pour l’agrandir. Les onze images du fichier d’origine sont conservées ; aucune douzième adresse n’a été inventée.

المصادر والتوثيق

المصدر الأول: النظام الداخلي لقسم «قطرة الحليب ورعاية الرضع» بالصليب الأحمر بالعرائش، نسخة تحمل علامات المكتبة الوطنية الإسبانية. تاريخ النشر غير مثبت في الصور المتاحة.

المرجع الأكاديمي: فرانسيسكو مونيوث براداس (2016)، انتشار مؤسسات «قطرة الحليب» بإسبانيا (1902–1935)، مجلة Asclepio، المجلد 68، العدد 1. DOI: 10.3989/asclepio.2016.10

إعداد: Historia de Larache en fotos.

Fuentes y referencias

Fuente primaria: Reglamento de la Sección Gota de Leche y Puericultura de la Cruz Roja de Larache. Copia con marcas de la Biblioteca Nacional de España. Fecha de edición no comprobada en las imágenes.

Estudio académico: Francisco Muñoz Pradas (2016), «La implantación de las Gotas de Leche en España (1902–1935)», Asclepio, 68(1). DOI: 10.3989/asclepio.2016.10

Elaboración: Historia de Larache en fotos.

Sources et références

Source primaire : règlement de la Goutte de lait et de la puériculture de la Croix-Rouge de Larache. Copie marquée par la Bibliothèque nationale d’Espagne. Date d’édition non établie par les images.

Étude académique : Francisco Muñoz Pradas (2016), « La implantación de las Gotas de Leche en España (1902–1935) », Asclepio, 68(1). DOI: 10.3989/asclepio.2016.10

Rédaction : Historia de Larache en fotos.

FacebookWhatsApp